الشيخ محمد الخضري بك
134
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
فقذف اللّه في قلوبهم الرعب ، ولم يروا من عبد اللّه بن أبي مساعدة ، بل خذلهم كما خذل بني قينقاع من قبلهم ، فسألوا رسول اللّه أن يجليهم ، ويكف عن دمائهم ، وأنّ لهم ما حملت الإبل من أموالهم ، إلّا الة الحرب ففعل ، وصار اليهود يخرّبون بيوتهم بأيديهم كيلا يسكنها المسلمون . ولمّا سار اليهود نزل بعضهم بخيبر ، ومنهم أكابرهم حييّ بن أخطب وسلّام بن أبي الحقيق ، ومنهم من سار إلى أذرعات بالشام ، وأسلم منهم اثنان يامين ابن عمرو « 1 » وأبو سعد بن وهب ، ولم يخمّس رسول اللّه ما أخذ من بني النضير ، فإنه فيء لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب « 2 » ، ومثل هذا يكون لمعدات الحرب ، وللرسول يطعم منه أهله ، ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ، كما قال تعالى في سورة الحشر ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ « 3 » فأعطى عليه الصلاة والسلام من هذا الفيء فقراء المهاجرين « 4 » الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم وردّوا لأخوانهم من الأنصار ما كانوا قد أخذوه منهم أيام هجرتهم ، وأخذ عليه الصلاة والسلام أرضا يزرعها ويدخر منها قوت أهله عاما . غزوة ذات الرقاع « 5 » وفي ربيع الاخر بلغه عليه الصلاة والسلام أن قبائل من نجد يتهيؤون لحربه ،
--> ( 1 ) كان من كبار الصحابة ، أسلم فأحرز ماله ، ولم يحرز ماله من بني النضير غيره ، وغير أبي سعد بن عمرو ابن وهب ، وكان كريما يبذل ماله في سبيل الدفاع عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقد أعطى مالا لرجل ، على أن يقتل ابن عمه عمر بن جحاش الذي هم بقتل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . ( 2 ) الفيء كل ما أخذ من الكفار من غير قتال ، والإيجاف : هو الإسراع ، أي لم يعدوا في تحصيله خيلا ولا إبلا بل حصل بلا قتال ، والركاب : هي الإبل التي يسافر عليها . ( 3 ) اية 7 والحشر كما يقول الراغب : « اخراج الجماعة عن نفرهم وازعاجهم عنه إلى الحرب ونحوها ، وأصح من هذه الأقوال كلها ما رواه الشيخان من طريقة أبي موسى الأشعري . قال : خرجنا مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير . نعتقبه ونقبت أقدامنا ، ونقبت قدماي ، وسقطت أظفاري ، وكنا نلف على أرجلنا الخرق فسميت غزوة ذات الرقاع ، كما كنا نعصب من الحزم على أرجلنا ( 4 ) الأسهل بن حنيف وأبا دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقرا فأعطاهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ( 5 ) قال الحافظ في الفتح وقد اختلفت في ميقاتها على أقوال بل الذي ينبغي الجزم به بعد غزوة بني قريظة ، لأنه تقدم أن صلاة الخوف في غزوة الخندق لم تكن شرعت وقد ثبت وقوع صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع على تأخرها بعد الخندق .